قـبـس - موقع سماحة الشيخ عبدالجليل البن سعد

» بطاقات حسينية  » أطروحة محرم 1439 هـ  » اسرار التحنث لله عز وجل الحج "موضوعا"  » الرحلة إلى الحج رحلة الفطرة  » مهمتنا في زمن الاضطرابات  » (3) سلسلة الذكر " الذكر الجسدي"  » (2)سلسلة الذكر: " الذكر الروحي "  » (1) سلسلة الذكر " الذكر القلبي"  » القيمة والتقييم الاجتماعي في شهر رمضان  » شهر رمضان وفن التخطيط  

» هل شوال داخل في الأشهر الحرم ومحرم خارج؟؟  » الخطيب الحسيني والنضج العلمي  » هل التدين فردي؟؟  » خطأ بسيط في دعاء أبي حمزة  » كيف أثبت على التوبة  » كيف اتعامل مع إساءة الناس لي؟؟  » مشكلتي أخلاق سيئة، فاحشة، انهيار نفسي.. كيف أعود للتدين؟  » ركوب السيدة زينب عليها السلام لمحمل من ذهب  » طلب توضيح حكمة  » كلمة تشجيعية لاكمال الدراسة الجامعية  

» عمر السيدة عائشة عند زواج النبي منها  » حقائق تربوية بنفاحات فاطمية!  » ما هِي الدلائِل على ولادة الزهراء صلوات الله عليها بعد البعثة و ليست قبلها ..؟  » أين دفت الزهراء سلام الله عليها ؟؟  » زواج الخليفة عمر من أم كلثوم بنت علي عليه السلام  » كيف يكون لكم يا علماء الشيعة القدرة بان كل عالم يستطيع استخراج الصحيح ومعرفة الحكم الشرعي منه .. ولو تم اوليس يوقعكم في التعارض ..  » نبوة أدم عليه السلام..  » كيف عاشت أمة نبي الله أدم من دون شريعة؟  » الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين.  » من اين تأخذون مصادر أحاديثكم التي تستندون عليها في استنباط الأحكام ؟  

» وقفة مع الفاظ قرانية  » الالتزام بالعدد بالذكر في الدعاء  » بعض الخصوصيات النفسية في السير والسلوك  » الحكمة المنسوبة إلى علي ع  » هل يبتلى المنتسك بالفاحشة؟؟  » معنى العجب والإدلال على الله عز وجل  » هل يجوز اطلاق كلمة(الحجة) على غير المجتهد ؟  » ما المراد بحياء الله عز وجل  » الأمر بالمعروف اخلاص لله جل شآنه  » أشكو من التثاؤب عند عمل الأعمال الصالحة ..  


  

11/04/2015م - 9:41 ص | مرات القراءة: 1111


لا أحد لا يسمع بالضجيج الذي تحدثه جدليات الفكر مع الاسلام .. ولكن من يبتعد أكثر ممن يقترب وفي قائمة الأسباب يتصدر القول بأننا لا نعرف مدخلا للفكر ولا من أين ولا كيف نبدأ ..
فأردت أن اهتبل الفرصة وأنا ألبي دعوة الملتقى الرابع للحوزات النسوية بالأحساء بأن أكتب هذه المقالة التعريفية المفتاحية وحسب، فأعرضت عن إجابة الاشكاليات واكتفيت بالتأملات فقط .. ومن الله أستمد العون والقبول

 

مقالة مفتاحية

 في

الفكر الإسلامي

 

O  الفكر الإسلامي وهندسة البناء:

للتعرف على هندسة بناء الفكر الإسلامي سنعرض لصورة تناظرية بين الفقه الإسلامي والفكر الإسلامي العام؛ لأن الفقه هو أقدم ممارسة فكرية إسلامية استجمعت أدوات التفكير هذا أولا، ولأن التطابق بينهما في الملامح كبير ثانيا..

ففي الفقه نجد مساحة كبيرة لفهم المجتهد المختص الذي أمسك بصولجان المبادئ العامة للاستنباط، الشيء الذي يحسب معه كل رأي فقهي بـنظرية فقهية، هذا باستثناء الضروريات، والمسائل الاتفاقية.

و في الفقه أيضا نرى بناءً قائما على أدوات مختلفة في الفصيلة والإنتاج فبعضها عقلي وبعضها نقلي و بعضها عقلائي وبعضها عرفي.

كما أن نتائج الفقه تختلف باختلاف درجات الصدق واليقين أيضا، ففيه مسائل يقينية، وأخرى ظنية بالظن المعتبر، ناهيك عن الأحكام الظاهرية التي تميز موضوعها بالشك!

ومن المعلوم أن الفقه وأصوله لم يقوما على أساس البحث عن اليقينيات الشرعية وتمييزها عما عداها فقط .. بل إنه يبحث عن الموقف العملي والعلاجي  للتكاليف المحتملة والتي ارتبطت بقرائن ناقصة (الأدلة المتأرجحة)، كما يبحث عن الحجج المستبعدة كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وووالخ.

فهذه الصورة الخاصة بالفقه لو وضعناها إلى جانب صورة الفكر الإسلامي لوجدنا أن الصورتين تتحدان في الملامح كثيرا.

إذ نجد في ساحة الفكر الإسلامي حديثا مشابها عن المفكر و مؤهلاته التي تمنح صفة النظرية الإسلامية لما ينتهي إليه من رؤى.

كما أن أدواته مرددة بين العقلي والشرعي، والعلمي والمنطقي .. و أيضا فاهتمامات المفكر الإسلامي لا تقتصر على اليقينيات فقط كما هو شأن الفقيه أيضا، وإن كان على المفكر أن يتصدى لبعض الأسئلة الفلسفية الكبرى في دروس اليقين بالذات  ليجيب عنها إجابة مقنعة !

ومن أظهر مهام المفكر الإسلامي معالجة قضية الموروث الديني الهائل الذي صُدّرَ إلى الأجيال دون عمليات تفتيشية فاحصة فكان عليه اليوم أن يدرس قيمة بعض الطرق البديلة في نقدها فيصنفها تصنيفا علميا ليضع كلا منها في بابه العصري المناسب كالبيولوجيا، و الانثربولوجيا، وووالخ، مع دراسة قيمة هذه العلوم وأمانتها فيما تقدمه من أفكار التبست بالمادة الدينية.

أنظر: ( تعارض الدين والحداثة).

 

O  تطور الفكر الإسلامي:

من الصعب ان نثبت تطور الفكر الإسلامي ــ بمعنى التبدل و التحول ــ على مستوى الأسس والأصول الكبرى كالعقل والنقل والسنن الكونية والتاريخية وغيرها من العناصر الرئيسة الحاضرة حضورا دائميا في كل ثنية من ثنايا القرآن الكريم وسنة النبي العظيم (صلى الله عليه واله)..

نعم تقوم نظريات وتزول أخرى داخل نطاق الدليل العقلي أو النقلي مثلا

كما قد يشتد حضور أحدها على حساب الآخر وفق معايير محددة..

ولكن وبالرغم من ذلك فقد جرت قراءات عصرية تزعم أن الفكر الديني أخذ يتطور تطورا انقلابيا وتغييريا  شبه جذري، وحينما أقلب هذه القراءات بين يدي أجدني مطمئنا بأنها ليست كلها تريد أن تدعي في القاعدة المنهجية للفكر الإسلامي أنها لم تتبدل إلا لأنها كانت هشة ولم تكن صلبة منذ البداية! كلا.. بل إن بعض هذه القراءات ــ على الأقل ــ ظن في بعض المشاريع الفكرية التي أفرزتها عقليات إسلامية كبيرة ومعاصرة أنها تمثل تحولات في المنهج والآثار و هي الرؤية التي لو صحت ففي حق بعض الأفراد فقط و مع بعض الحالات النادرة !

وبعيدا عن هذا فإنني أؤكد ــ ومن وجهة اطمئنان شخصي ــ أن هناك مغالطات تفرض نفسها على بعض ذوي القراءات فيقدمون لنا مغالطات من غير مغالط أو مغالط غير قاصد ولا مختار؟!! بل إن هذا ما ينتج عن كون بعض الناقدين المحترمين لا يعرف الأشياء بأسمائها العلمية!!

وسأحدثكم عن نموذجين:

1  النزاع اللفظي:

وهذا أحد المصطلحات المنهجية المهمة في عملية ربط تاريخ العلم بحاضره و لاشك أن  لضياعه أثر سلبي على تقييم حركة العلم والفكر، وهو ما نراه بوضوح مع بعض الباحثين الذين أصروا على أن ثمة تطورا نوعيا قد جرى على الفكر الإسلامي في عمود الزمن!! وبرهنوا عليه بقولهم:

إننا صرنا نرى الدليل المحرم بالأمس قد أصبح معتمدا اليوم ومثال ذلك هو الموقف الكلامي الإسلامي ضد العقل، الشيء الذي نلمسه باطلاعنا على القيود التي جاءت في تعاريف علم الكلام نفسه وضمن أمهات الدراسات الكلامية مثل: كتاب " شوارق الإلهام" للاهيجي [تـ1072هـ]، و" المواقف في علم الكلام " لعضد الدين الإيجي[تـ756هـ]، و" شرح المقاصد" لسعد الدين التفتازاني[تـ792هـ]، فهذه قد كانت ــ بحسب رأي الناقد ــ تخالف العقل استرضاء للنص الديني حيث ان الفلسفة آنذاك لا تأخذ النص بالاعتبار وعلم الكلام في تلك المرحلة يحاربها، مع ما يمثله من واجهة للفكر الإسلامي في ذلك الحين!!

وإن جانب القصور في هذه القراءة سيبدو واضحا لو تابعنا العلماء والمحققين من فلاسفة ومتكلمي المسلمين في القرون (7-8) و(12- 13) الهجرية..حيث شيدوا الدليل العقلي وكانوا يرون أن خلافهم مع من تقدمهم لا يعدو أن يكون نزاعا لفظيا و لم يكن حقيقيا في وقت من الأوقات .

ولو أردنا للمثال أن يتحدث فسنقف على بعض النزاعات التي ربما كبلت الفكر الاسلامي طويلا ولكنها اختتمت باتفاق على أنها لا تزيد على الخلاف اللفظي أو أنها قد حظيت باعتراف مشابه من قبل عدة من أعاظم المحققين ومنها:

1  مسألة البداء.

2  مسألة الخلاف بين الأخبارية والأصولية في موضوعة الاجتهاد[1].

3 الخلاف الدائر بين أصالتي الماهية والوجود يعلق بذهني ذلك عن قراءة قديمة جدا[2].

4  النزاع في اختلاف الطلب عن الإرادة فإصرار البعض على أنه من النزاع اللفظي وطرح صياغة توافقية لذلك يعني إمكانية أن يكون هو الحل النهائي لهذا القتال العلمي والعملي القديم![3]

ولنتصور كيف سيأثر الجهل بهذه الحقيقة التاريخية في مختلف العلوم العقلية والشرعية على نتائج قراءة تاريخ العلوم الاسلامية جهلا يجعلنا نستبسط وصف التحولات بأنها تطورات وتنقلات جوهرية في الخطاب الديني؟!

 

2   الكشف والكاشفية:

وهذا أيضا أحد أهم المصطلحات (التسميات)التي تُعيّن لنا ما إذا كانت النظرية الجديدة جاءت في عملية تبديل تطبيقي أم تبديل جذري

فمثلا عندما نقرأ طرق التفكير والمعالجة التي تمارس لاستخراج ما هو غائص في التاريخ العقدي والتشريعي سنجد أنها طرق اعتبارية عادة ما يرشحها العلماء والمحققون لتكون ضمن المنهج الاستدلالي (الميثودلوجي) فهم يلقون حبالا ويطرحون وسائلا فكرية ويرشحونها لعملية الغوص الفكري أولا، وفي مرحلة ثانية نراهم يقومون بنقدها وفحص قابليتها للكشف عن الحقيقة من عدمها، وهاتان المرحلتان تتمان  في الدراسات الكلامية والأصولية، ففي هاتين المحكمتين الفكريتين يتم إقرارها أو نفيها على هذا الأساس بالذات..

ولتتضح المفارقة أكثر بين القراءة الجديدة للتحولات المنهجية في الفكر الإسلامي وبين ما ذكرنا سنقف على نموذجين:

·       كاسرية الشهرة وجابريتها:

وهذه قاعدة فعّالة في ساحة الفكر الإسلامي العملي ــ الفقهي ــ وقد أنقسم البحث الأصولي فيها على اثنين.

فبينما يرفضها بعض العلماء لأنها لا تؤدي في نظره إلا إلى كشف ناقص يفتقر إلى الحجة والدليل على اعتباره، فإن البعض الآخر، يرى فيها الكاشفية التي تنهض بالوثوق والاطمئنان الكافي لحجيتها..

إلا أن بعض المشتغلين اليوم بمحاورة التاريخ العلمي رأى أن البناء على الشهرة موقف سيكولوجي بحت اضطر إليه الفقيه بعد أن تحطمت نظرية الاجماع المنقول لديه فسعى لتسكين قلقه النفسي بالأخذ بالشهرة[4]!

وما نؤكده هنا هو خطأ هذه النظرة فإن رأي القائلين بها قد تأسس على موقف سوسيولوجي وليس سيكلوجيا، أي أن اختيارهم لحجيتها والعمل بها  لم يكن للحذر من بقاء مكان القواعد التي أبطلت فارغا وأيضا لم يكن انطباعا وجدانيا محضا، وإنما توصلوا إليه بعد دراسة سلوك الفقهاء الأوائل وهو مطلب يمر بالباحث على تفاصيل وتحاليل  طويلة تُـعنى بسوسيولوجيا الفقيه المتقدم، وقراءة سلوكه من هذه الزاوية بالذات، فهم يرون أنهم يتوصلون من خلال ذلك إلى حقيقة أمر الشهرة إن كانت تحمل قيمة الكشف المعتبر أولا..

ونحن وإن اعترفنا بالموقف النفسي[5] إجمالا إلا أنه لايزال خاصا بمن رفض حجية الشهرة على صعيد الدراسات الأصولية ثم عاد ليحتاط لها على صعيد الفتوى، وإن مسألة الاحتياط هو موقف نفسي إيجابي وليس سلبيا كما ربما يفهم من طريقة استعراض وتحليل البعض، بل يفهم منه أيضا أنهم يفتون في الفقه بخلاف ما يرونه في الأصول ؟؟؟

وأظنه من عدم التفريق بين الفتوى والاحتياط؟!. وهذا ما أقوله على نحو المجاراة وإلا فالاسم المعادل لحركة التوقي والحذر المنعكسة في الاحتياطات هي " الحسن الفاعلي "، وأدب الانقياد للمولى الذي يعكس طمعا في رضا الجليل والثواب الجزيل وهذا موقف " قدسي " ـ روحي ـ  مضافا إلى الجانب السيوسولوجي وليس سيكولوجيا بحتا..

 

·       الإجمــــاع:

ومما يتصل بقاعدة الكاشفية أيضا مثال الإجماع فإن تمسك علماء الشريعة به سواء كانوا فقهاء أو متكلمين أو مفسرين يرجع إلى هذه الحقيقة بالذات.

وبالتالي فإن بعض المتكلمين أو المفسرين يستند في استشهاده بالإجماعات إلى نظرة رياضية  مسبقة داخل هذا الاجماع أو ذاك فيرى فيه أرقاما تراكمية وتعرف في اصطلاحهم بتراكم الظنون[6]، وهي تكشف عن واحد من أمور عدة:

1         صدور هذه المسألة من الجهة المشرعة العليا وتسلمها منهم يدا بيد..

2          عن قاعدة أو أصل معتبر في باب الكلام أو التفسير، كما هو الحال في إجماعات الفقه أيضا.

3         وفي أبسط الأحوال هو يشكل قرينة ناقصة  تؤيد أو تزيد في رجحان الاتجاه الفكري المعين..

ومن الواضح أن التمسك بالاجماع في هذه الحالة يعود إلى عملية عقلية بحتة، في حين أن من يرفضه هو الذي لم يستطع أن ينظر إليه بتلك النظرة الرياضية فيكون معذورا في التخلي عن الإجماع، كما أن المتمسك معذور أيضا في التفافه حوله..

 

فالمسألة إذن تدور مدار قابلية هذا العنصر أو ذاك للكشف وعدمه وهذا المعنى قد فات بعض النقاد لذا نراه قد تعجب من السيد الطبأطبائي كيف قد أنكر حجية الاجماع وكرر إنكاره في عدة مواضع من تفسيره لكنه ــ بحسب رأي الناقد ــ حقق للقارئ المسلم المفاجأة إذ لم يتجاوز الإجماع ميدانيا فلم يكن لتفسيره تمايزات أساسية عن المسار العام للكلام الشيعي!![7]

وقد فاته أن مساحة الاجماع في التفسير والشيعي منه على الخصوص هي مساحة ضيقة جدا وذلك لأنه لم يصلنا من التفاسير الشيعية القديمة إلا اسماؤها عبر فهارس الشيعة فقط، لذا فإن هذا الباحث يطالب المفسر الإسلامي الكبير بما هو منتف بانتفاء أصل موضوعه!

ولكن لو تساءلنا عما لو كان في طرحه تمايز واضح عن إجماعات عموم المفسرين والذين غالبيتهم من العامة لكان الجواب موافقا للتوقع .

 

O  بين الأصالة والتبعية:

وهذه هي أمُ القضايا في العلمانية الدينية فإنهم يقبلون نسبة الكثير من الأحكام إلى رسول الإسلام وقرآنه ولا يجادلون ضد ذلك، بخلاف العلمانية اللادينية، إلا أنهم يرفضون قابلية الكثير من تلك الأحكام للاستمرار، ومرد فكرتهم هذه إلى نظريتين:

أ ) الاجتماعانية:

والمقصود أن الدين والإنسان بينهما شكل تفاعلي مركب فإدراك حقائق التشريعات الدينية يتم عبر وسائل الاجتماع البشرية بداء من اللغة ووصولا بالواقع الظرفي الخارجي مما يعني أن التشريعات الدينية عموما والإسلامية خصوصا مرهونة بسياقها الاجتماعي وتتبدل بتبدله !

والمثال الأبرز على ذلك هو " الدولة "، فبحسب فكرة العلمانية الدينية أن الحضور المتواصل للدولة منذ زمن الخلافة هو الذي كرس مفهوم الشريعة، لا أن حضور الشريعة هو الذي أوجب إنشاء الدولة لتقوم بتطبيق الشريعة![8]

ونحن سنكتفي بالتعليق الخفيف على هذه الفكرة طلبا للإثارة والتأمل وبعيدا عن التوسع الذي لا يناسب طبيعة الاختصار في هذه المقالة.

نقاط المناقشة :-

-         إن هناك وفي المساحة العامة للخطابات الشرعية زاوية منفصلة تماما عن السلوك الاجتماعي كأحكام الدماء الثلاثة، وقضية الجهر والإخفات في الصلاة، وكثير من محرمات وواجبات الحج والعمرة.

-         إن دراسة المعالم الدينية مادتها النصوص وهي محكومة لقاعدة الظهور فدعوى أنها أحكام اجتماعية تناغمية يجب أن لا يكون معارضا للظهور الذي يتشكل مع هذا النص أو ذاك، وإلا فإننا لن نستطيع تقديم تبرير لمخالفة العقلاء في إدانتهم بالظهورات.

-         إن الشريعة عامة للحياة بكل علاقاتها، وهذه ليست افتراضية بل حقيقة جوهرية تأخذ عن مثل قوله:" ما من شيء إلا وفيه كتاب وسنة"[9]، ومما لا شك فيه أن من الأشياء التي فيها الكتاب والسنة والأحكام الإلهية ما لا يتم إلا بفرض الولاية و دولة كأحكام القضاء وإقامة الحدود والجنايات وما يساوي ذلك .. فتشريعها دون تشريع الدولة نقض للغزل !

-         إن الدين ومن أول يوم كان يحتاج الى الحصانة العسكرية وهو مهدد أكثر من أي كيان آخر فقد أوحى فيما أوحى قوله تعالى:{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}[10]، وهذه المسألة كسابقتها لا تتم دون قيام القائد الأعلى على رأس الأمة الإسلامية.

و يمكننا من خلال النقطتين الأخيرتين أن نقوم بمواجهة أخرى لمن تصور أن الوضع الاجتماعي له تأثير كبير وغير اعتيادي على التشريع وان تأثيره حدوثي وبقائي، فنقول له: أن هناك حتميات اجتماعية كالحاجة إلى الدولة والسلطة لا يمكن أن يستثنى منها عصر دون عصر ولا شعب دون آخر ولذا التشريعات الموافقة للحتميات الاجتماعية يجب أن تكون حتمية ودائمية أيضا !

 

ب ) العقلانية:

وقد تولى طرح العقلانية كل من العلمانية اللادينية والعلمانية الدينية على السواء إلا أن هناك تباينا واضحا بين النظرتين ..

فمفهوم العقلانية لدى العلمانية اللادينية: تنطلق من أصالة العقل والاعتقاد بأنه مؤهل لأن يقود حياة البشرية وان البشرية قد قضت مرحلة الطفولة فلا حاجة للأديان والأنبياء والكتب السماوية، فلا حاجة إلى وصاية إلهية ترشده وتهديه[11].

ومفهومها لدى العلمانية الدينية: هي غير محددة الأركان وتختلف مدا وجزرا باختلاف قادة هذه المدرسة فمنهم من يحدد المقصود منها بعقلنة عملية الإدارة الاجتماعية ليبقى الدين مستبعدا عن السياسة و الحياة العامة فهما مجالان يمكن أن يؤثر فيهما التجربة البشرية بشكل فاعل يغنيها عن الدين[12]، فما لقيصر لقيصر وما لله لله !![13]

بينما تأثر مصطفى ملكيان[14] بـ(توما الأكويني) وهو العلماني المسيحي، فحاول أن يطبق رؤيته المعروفة بـ(العقلانية المعتدلة أو غير المتطرفة) فرأى ان الانسان لا بد له من الطيران بجناحين المعنوية والعقلانية[15]، ويعد هذا أوسع طرح وصلت إليه العلمانية الدينية الشيعية بالذات فهي تعني التدين مع الحفاظ على خصائص المدنية والتي منها:

1    الاستدلال وترك التقليد والتعبد فالقبول بالفرض الديني يجب أن يكون قبولا عقلانيا لا بالتلقي ..

2    عدم الاعتماد على التاريخ والتعامل مع قضاياه بجزمية وقطعية فيمكن لي أن أؤمن وأنا لا أقبل الكثير من قضايا التاريخ الإسلامي بقبول اليقين.

3    الحل والأثر الفعلي: أي جميع ما يمارسه الانسان من عبادات وأعمال يجب أن تكون ذات اثار محسوسة وملموسة وفي واقع الإنسان وهذا يعني أن الانسان يتعامل مع العبادة من موقع التجربة ولا يكتفي بما سوف ينكشف له من هذا العمل بعد الموت وفي الآخرة[16].

إلى آخر ما هنالك من خصائص مما ذكره في مقالاته وكتاباته المنتشرة.

 

المناقــشة:

لقد أردنا لهذه المقالة أن تكون تعريفية وافتتاحية بعيدة عن الجدلية مهما مر من اراء ورؤى للمذاهب الفلسفية والفكرية الحديثة،  ولكن وفي سبيل أن لا نقطع الطريق على التأملات نضع هذه الملاحظات السريعة فيما يتعلق بنظرية العقلانية:

إن ما كان ينقص هذا التنظير للعقلانية هو عدم التمييز بين (الحركة العقلانية) و (الصورة العقلانية) علما بأن هذا التقسيم غير المسبوق يكفي لتحصيل المعنوية التي طلبها بطرحه !

لنعرف المعنوية أولا..

قالوا بأن الانسان المدني الحديث لا يمكن أن يقبل بالأوامر قبولا أعمى وهذا ما يستدعي الانسان أمورا:

أولها:الاستدلال، و ثانيها: المعرفة بالأثر لكل تشريع، وثالثها ترك ما ليس بجزمي من القضايا التاريخي حتى لو كانت على صلة بدينه !

والآن نتساءل هل يتوقف هذا الغرض على الصياغة التي قدمها للعقلانية أم يمكن أن نتحصل عليها حتى مع الصياغة الجديدة التي قدمناها للعقلانية؟

هنا مثالان نضعهما لامتحان الفكرة:

أ  ) لقد تعددت المذاهب الفقهية في الديانة الإسلامية فأربعة منها ترفض مبدأ الاجتهاد المصطلح وواحد منها وهو مذهب الإمامية الإثني عشرية يرى انفتاح باب الاجتهاد.. فلو أن الشيعة تقاعسوا عن طلب العلم وبقي فتح باب الاجتهاد نظريا فقط لأصبح حالهم وحال المذاهب الأخرى في عدم العقلانية سواء !

ولكن عندما ينفر طائفة من كل فرقة اجتماعية شيعية للتفقه في الدين {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ }[17]، ففي هذه الصورة سوف نشهد قيام حركة عقلانية، ولا شك أن وجودها قادر على إزالة الإحساس النفسي بالجمود والاتباع الأعمى، وهكذا يمكننا  أن نقول بأن حركة الاجتهاد وفعالياته الحية لا تنفك عن صفة الحراك العقلاني لجميع أبناء هذه الطائفة، لأن المنتمي يستغني بالجهود العقلانية المبذولة من قبل أبناء طائفته كما يكتفي سياسيو كل أمة واقتصاديوها ومثقفوها بالمؤتمرات التي تنعقد لدراسة بعض القضايا الهامة وإن لم يكونوا هم ضمن من شارك وساهم؛ إذ لا ضرورة لأن يساهم الجميع ..

وبهذا اللحاظ يمكن أن نسميها أيضا بالعقلانية الكفائية .

ب) لقد أولى القرآن والحديث علل الأحكام وحِكَمِهَـا الثانوية أهمية قصوى فكثير ما يعقب التشريع بعلة أو حكمة ثانوية وراءه قال تعالى: { يسألونك عن المحيض قل هو أذى}[18]، ومنه :{وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}[19]، فقد كشف في هذه الخطابات وأضرابها عن آثار الكثير من العبادات والمعاملات كالصلاة والصوم والزكاة والحج والنكاح ونظام الإرث وووالخ، هذا في الفروع والحال في الأصول لا يختلف كثيرا فقد حظيت عقيدة الإمامة مثلا بالكثير من التفسيرات والتبريرات العقلانية الرهيبة كما في رواية عبد العزيز بن مسلم عن أبي الحسن الرضا عليه السلام[20]، ولهذا السلوك التشريعي نتيجتان مهمتان وهما:

-   إن ما طالبت به العلمانية الدينية من إبراز الجانب العقلاني في التشريع حاصل وماثل في عرض وسعة الخطابات الإسلامية عقيدة وفقها.

-   ثم إن تحققها في التشريعات الإسلامية بكثرة ليس يدل على أن الدين الإسلامي لا يأبى العقلانية فحسب، بل يدل على أنه يعتمدها، ومع الاطمئنان لاعتماده على العقلانية لا نرتاب من غيابها ذكرا على مستوى بعض الأحكام لأنها إما أن تكون موجودة معنى، وإما أن تكون معلقة لغرض جليل كتزاحمها مع ما هو الأهم ملاكا.

ومرة أخرى فالذي يحملنا على هذه النظرة  الوثوقية هو أننا رأينا أن حركة العقلانية مؤيدة كثيرا في الشرع ولو لم تكن كذلك فما الوجه لأن تطرز بها خطابات التكليف الشرعي وبهذا الشكل المكثف واللافت؟؟

 

O  معيار الصدق في المعرفة الدينية:

لا يوجد ضمن المعرفة الدينية معيار للصدق يختلف عنه في المعارف البشرية، فالمعيار واحد وهو القطع والجزم الذي يتوقف عنده العقل عن البحث، سواء في ذلك العقائد، والأخلاق، والأحكام، وهي قضية العموم في قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}.

ومما يكف معه العقل عن الطلب والسعي أمور: فالبرهان، و العلم الحضوري، و الإعجاز كما في العلم بصدق النبوة والإمامة ، و المشاهدة الحسية كالأحكام الصحية والإرشادية عموما، ومنها الأخلاقيات أيضا ، أو ما كان ظنيا في ظهوره ودلالته (كالدليل اللفظي واللبي) و لكنه قطعي في رتبة الحجية والاعتبار فإن ذلك يكفي أيضا في كف العقل عن الطلب لما وراءه؛ اعتمادا على منطق العقل ذاته: " أن ما بالعرض لا بد وأن ينتهي إلى ما بالذات.."!

ومسألة معيارية الصدق هي نقطة الانطلاقة لنظرية المعرفة .

O  تعارض الدين و الحداثة:

ويعد هذا من أقدم الإشكاليات وأكثرها حضورا في متارع الحداثة ــ بمفهومها الواسع طبعا ــ وهذه الاشكالية ليست على وجه واحد ولكنها دعوى تتكرر على ثلاثة وجوه كحد أقل:

1  تعارض الدين والعقل.

2  تعارض الدين والعلم.

3  تعارض الدين والمدنية.

ويمكننا دراسة هذا الموضوع في مجالين:

المجال الأول: أن الدين الإسلامي اعتنى بحالة التعارض عناية خاصة، وقد حفظ من دروس أهل البيت عليهم السلام في هذا الخصوص روايات ثمينة سواء فيما يخص تعارض السنة والسنة أو هي والقرآن أو هي والعقل.. مما يعني الاستعداد والتأهب الديني لهذه القضية بالذات..

وهذا الباب يمهد لقبول أن يكون في السنة ما هو مكذوب أو مصروف عن وجهه الحقيقي، أو مجرد خبر من الآحاد، فبالتالي لا يصح إشهار كل حديث مخالفا لشيء من تلك العناوين كدليل على تورط الدين في المعارضة لبدائه العقل أو العلم أو المدنية.

المجال الثاني: أن التسليم بحصول التعارض يتطلب شروطا وبعض هذه الشروط قد اسيئ فهمها من قبل الحداثويين بل إنما حكموا بالتعارض في بعض الصور نتيجة ضعفهم عن فهم أبسط المبادئ العلمية كالتناقض حتى أن الماركسية صححت التناقض والتضاد لفرط جهلهم بالوحدات الثمان التي يجب أن تتوفر ليتحقق التناقض، كما أنهم لم يفرقوا بين التضاد الفلسفي والمنطقي فجهلوا ان ما يستحيل عقلا هو الثاني لا الأول.

وهذا ما يجري في العلوم الحديثة أيضا كالفيزياء الكمومية فنرى من يتحدث عن إمكان اجتماع الموت والحياة في آن واحد وإمكان أن يكون الشيء الواحد موجودا في مكانين في لحظة واحدة واستبشروا به لأنه يضرب أبده الأمور العقلية وهو التناقض فهو موجود ولا موجود بينما هذا ما لا يتم (على فرض صحته) بالمعنى المنطقي للتناقض، لأنهم لا يقصدون أن الشيء ينتقل من هذا المكان مثلا بكله ويبقى فيه بكله، فلا تناقض.

ويبقى التعارض بين الدين والعلم فهو أيضا مما يتوقف على كون العلم يقينيا لا تجريبيا كالكثير من أحكام الطب مثلا، كما يجب أن نفهم بأن  التعارض يجب أن يحصل بين ما نسب إلى الواقعية من العلم وبين الحكم الواقعي من الدين وأما ما يكون بين الثابت من العلم وبين الحكم الظاهري من الدين فليس تعارضا البتة، ولكن البسطاء يحسبونه تعارضا فيفرحون عندما يظنون أنهم أصابوا الثوابت الدينية بمقتل؟!

وبين أيدينا مثال وهو قول رسول الله صلى الله عليه واله: "" الولد للفراش وللعاهر الحجر""[21]، فقد تحدث بعض المندفعين ممن يحسب كل اكتشاف علمي بضرر ديني!! فقال: إن الحمض النووي(dna) يستطيع تحديد مصدر النطفة وأنها لغير ذي الفراش وعلى أساس من هذا ستكون الدعوة الدينية باطلة..

ودافعه إلى ذلك هو جهله بمرتبة الحكم الظاهري وتمييزه عن الحكم الواقعي فإن الحكم الظاهري صُمِمَ لحالات الشك خاصة فاذا انتفى الشك انتفت الحاجة إليه!

و اَولى ما تكون الملاحظة مع العلوم التخمينية أو الحدسية كالأنثربولوجية حتى أنكر بعض الأكاديميين علميتها من رأس[22] وبالرغم من ذلك فإن بعض باحثيها يتحدث عن تصادم واضح بين النتائج التي تحصّلَ عليها وبين الموروث الديني كحديث بدء الخليقة البشرية حيث أصر داروون و المقتنعين بنظريته بأن أصل البشرية مختلف عما هو عليه اليوم، ولكن هذا ما لم يقدموا عليه دليلا قاطعا وكفى في هزيمته أن خبراء السجل الأحفوري أنفسهم قد تصادمت كلماتهم بين مؤكد و نافٍ ، ويراها البعض مجرد فزاعة!!

 

 



[1] مصباح الأصول السيد الخوئي. 2/255.

[2] علم النفس الفلسفي . بكدلي

[3] حكاه في أنوار الأصول. مكارم شيرازي. 1/ 223

[4]  علم الكلام المعاصر: 68

[5] راجع إلى مباحث الأصول للشهيد محمد باقر الصدر:2/ 93

[6] تهذيب الأصول. السبزواري:2/ 73

[7] علم الكلام المعاصر. حب الله: 81

[8] الدين والتدين. عبد الجواد ياسين: 355

[9] أصول الكافي : 1 / 59

[10] سورة الأنفال: 60

[11] العقلانية الإسلامية والكلام الجديد: 132

[12] العلمانية الإسلامية: 67

[13] الفكر الإسلامي نقد واجتهاد. محمد أركون: 71

[14] مفكر إسلامي إيراني من أبرز مشاريعه(العقلانية والمعنوية)أخذ منه جهد خمس سنوات

[15] العقل والدين: 38

[16] عقلانية الدين والسلطة: 22-31

[17] سورة التوبة:122

[18] سورة البقرة: 222

[19] سورة الحجرات:12

[20] تم تخريجها في العديد من المصادر الحديثية القديمةللشيعة الإمامية كإكمال الدين ومعاني الأخبار للصدوق وتحف العقول لابن شعبة الحراني، والاحتجاج للطبرسي، والإيضاح للفضل بن شاذان.

[21] الوسائل ب 8 من ميراث ولد الملاعنة: ح1

[22] رحلة عقل لعمر شريف


التعليقات «1»

بوعلي الفرج - الشعبة [الجمعة 24 ابريل 2015 - 9:57 ص]
( مقالة بعمق دراسة )..
افتتاحية سطرها قلم الفكر الألق لسماحة الشيخ البن سعد-حفظه الله-، كان بمستوى القناص الذي رصد مفاصل الإشكاليات المعاصرة التي سددت سهامها نحو الفكر الإسلامي عموما" والفقه واصوله خصوصا" ، وعالجها كطبيب حاذق متمرس أتقن الإمساك بأدوات الجراحة واستطاع بحنكة أن يخيط الجرح الذي ادعى الرامي أنه اصاب به عمق جسد الفقه والفكر الإسلامي، متضمنا" في مقالته الدعوة الى الموضوعية في النقد وتحري الدقة في إدراك ما ينبغي نقده وتبديله مما ينبغي تكامله ونموه ..
واللافت في السير المعرفي لهذا القلم